ابن عطية الأندلسي

46

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وأسدا ، وضبة ، وألفافها لقربهم من مكة ، وتكرارهم عليها ، ثم بعد هذه تميما ، وقيسا ، ومن انضاف إليهم وسط جزيرة العرب ، فلما بعثه اللّه تعالى ويسر عليه أمر الأحرف أنزل عليه القرآن بلغة هذه الجملة المذكورة ، وهي التي قسمها على سبعة لها السبعة الأحرف ، وهي اختلافاتها في العبارات حسبما تقدم . قال ثابت بن قاسم : « لو قلنا من هذه الأحرف لقريش ، ومنها لكنانة ، ومنها لأسد ، ومنها لهذيل ، ومنها لتميم ، ومنها لضبة وألفافها ، ومنها لقيس ، لكان قد أتى على قبائل مضر في مراتب سبعة تستوعي اللغات التي نزل بها القرآن » . قال القاضي أبو محمد عبد الحق : وهذا نحو ما ذكرناه ، وهذه الجملة هي التي انتهت إليها الفصاحة ، وسلمت لغاتها من الدخيل ويسرها اللّه لذلك ليظهر آية نبيه بعجزها عن معارضة ما أنزل عليه ، وسبب سلامتها أنها في وسط جزيرة العرب في الحجاز ونجد وتهامة فلم تطرقها الأمم ، فأما اليمن وهي جنوبي الجزيرة فأفسدت كلام عربه خلطة الحبشة والهنود ، على أن أبا عبيد القاسم بن سلام ، وأبا العباس المبرد ، قد ذكرا أن عرب اليمن من القبائل التي نزل القرآن بلسانها . قال القاضي أبو محمد عبد الحق : وذلك عندي إنما هو فيما استعملته عرب الحجاز من لغة اليمن كالعرم والفتاح . فأما ما انفردوا به كالزخيخ ، والقلوب ، ونحوه ، فليس في كتاب اللّه منه شيء . وأما ما والى العراق من جزيرة العرب ، وهي بلاد ربيعة ، وشرقي الجزيرة ، فأفسدت لغتها مخالطة الفرس ، والنبط ، ونصارى الحيرة ، وغير ذلك . وأما الذي يلي الشام وهو شمالي الجزيرة وهي بلاد آل جفنة ، وابن الرافلة ، وغيرهم . فأفسدها مخالطة الروم ، وكثير من بني إسرائيل . وأما غربي الجزيرة فهي جبال تسكن بعضها هذيل وغيرهم وأكثرها غير معمور . فبقيت القبائل المذكورة سليمة اللغات لم تكدر صفو كلامها أمة من العجم ، ويقوي هذا المنزع أنه لما اتسع نطاق الإسلام وداخلت الأمم العرب وتجرد أهل المصرين : البصرة ، والكوفة ، لحفظ لسان العرب ، وكتب لغتها لم يأخذوا إلا عن هذه القبائل الوسيطة المذكورة ، ومن كان معها ، وتجنبوا اليمن ، والعراق ، والشام ، فلم يكتب عنهم حرف واحد . وكذلك تجنبوا حواضر الحجاز مكة ، والمدينة ، والطائف . لأن السبي والتجار من الأمم كثروا فيها فأفسدوا اللغة . وكانت هذه الحواضر في مدة النبي صلى اللّه عليه وسلم سليمة لقلة المخالطة . فمعنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أنزل القرآن على سبعة أحرف » أي فيه عبارات سبع قبائل بلغة جملتها نزل القرآن فيعبر عن المعنى فيه مرة بعبارة قريش ، ومرة بعبارة هذيل ، ومرة بغير ذلك بحسب الأفصح والأوجز في اللفظة . ألا ترى أن فطر معناها عند غير قريش ابتدأ خلق الشيء وعمله فجاءت في القرآن فلم تتجه لابن عباس حتى اختصم إليه أعرابيان في بئر فقال أحدهما : « أنا فطرتها » قال ابن عباس : « ففهمت حينئذ موقع قوله تعالى : فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ * [ فاطر : 1 ، الزمر : 46 ] .